عبد الرحمن بدوي
97
أرسطو عند العرب
فإنّا مع ذلك لسنا إنما نحس الواحد ، بل نحس بالمحسوسين جميعا . وكذلك إن كان المحسوس الواحد مشتركا لا لشئ كاللون نحس بالهواء والماء من حيث يشفّان ، فقد نحس ذلك بهما جميعا . قال المشرقيون : هل تقولون في هذا إلا على الوجود ؟ فلعل الماء والهواء من شأنهما أن يتوسطا في محسوس ليس لنا ؛ ولعل الجرمين البسيطين يتوسطان في محسوس ليس بلون ولا صوت ولا رائحة ؛ أو لعل بعض المحسوسات أيضا ينال ويحسّ بغير الماء والهواء ، بل بالأرض مثلا أو بجسم مركب . وأكثر ما يوجبه هذا الكلام أن التوسّط المعروف لنا في المحسوسات المعروفة لنا حاصلة عندنا . وهذا مما لا شك فيه . إنما يجب على من يعشق هذا البيان أن يبين أنه لا يمكن أن يكون إلا كذا وكذا . أما الوجود فلا اختلاف فيه . ( ء ) يقول في الحواس البسيطة إنما هي من الماء والهواء . وأما النار فمشتركة . إذ كل حس فبحرارة . وأما الأرض فجانبية « 1 » لا تصلح للطف الإدراك . ولذلك العظام لا تحس لأرضيتها ؛ وأكثر ما يقال في الأرضية أنها توافق اللمس . وإذا كان فينا آلات المائية كالبصر والهوائية كالسمع ، فجميع الحواس فينا - كأنه أحسّ بقائل يقول له : إن هاهنا حيوانات كاملة الهيوليات الصالحة للتوسط وللكون آلة ، وتفقد حاسة كالخلد . فقال : والخلد له تحت الجلد أيضا عينان . قال المشرقيون : أليس من مذهبكم أنهما إن كانتا غير مبصر بهما فهما عينان باشتراك الاسم ؟ وأيضا فإذا كان لها عينان ولا تبصر بهما صح نقيض مقدّمه : يستعملونها ؛ وهو أن من له هيولى إلا آلة ، فله فعل بتلك الآلة . وذلك لأن للخلد هيولى حاسة ما ، بل مصورة مع ذلك بصورة تلك الآلة ولا تحس بها . ( آ ) إنه يريد أن يعرفنا التخيل وكيفية فعله واتباعه للحس ، فيقول : إنه قد يكون لك أن تقول في شئ مفروض أنه يتحرك « 2 » : تحرّكه حصل في شئ غيره . فكأن فعل التخيل يرى أنه حركة ما . فهو حركة لا تكون إلا بعد حركة هي للحس . أي : فإذا تحرك الشئ عن المحسوس وأخذ مثاله ؛ تحرك التخيل عنه وأخذ مثاله أخذا آخر وحفظه ، وأنت تعلم أن الحسّ تتبعه حركة باطنة [ 162 ا ] فهي التخيل . ويجب أن تكون شبيهة بالحس لأنها تابعة للحس ، حافظة له على نحو قبول الحس لا يكون دونها ولا يوجد فيما
--> ( 1 ) فقاسية ؟ ( 2 ) ن : يتحركه ( أو يقصد أنه يتحرك حركة التخيل ؟ )